Read this post in
الإنجليزية
أنا ريبيكا كيركماير، صانعة عطور في دولبرج كونزينترا في هامبورج، ألمانيا. تمتد جذوري إلى جنوبي ألمانيا ونشأت محاطة بالطبيعة، التقاليد البافارية وأسلوب حياة قويم، وهي تأثيرات لا تزال تشكل عالمي الإبداعي.
أن أصبح صانعة عطر لم يكن على الإطلاق جزءا من حلم طفولتي. على مدى سنوات عديدة، كنت متأكدة أني سوف أنال الدكتوراه وأبني مهنة في صناعة الطعام. كان العلم يبهرني، خاصة المفهوم الحسي، كيف يؤثر المذاق والرائحة على تجاربنا. لكن من حسن الحظ أن الحياة كانت لديها خطط أعظم في انتظاري.
أول عمل لي في صناعة النكهات عرفني بشكل غير متوقع على العطر. ما بدأ كفضول، تطور ببطء ليتحول إلى إنبهار. كنت سعيدة الحظ عندما إلتقيت خلال رحلتي بمرشدين أدركوا إمكاناتي وشجعوني على المزيد من الاستكشاف. وإلى جانب روحي المغامرة، طموحي، مثابرتي والتفاني المؤكد في طبيعتي، قررت أن أسلك هذا الاتجاه الجديد.

اليوم، يشرفني العمل في ما أصبح حقًا مهنة أحلامي، حيث يلتقي العلم بالفن، وتتحول الذاكرة إلى رائحة. الرائحة هي أكثر حواسنا حميمية، ولها قدرة فريدة على فتح أبواب الذكريات والعواطف.
رائحة واحدة يمكنها أن تنقلنا في الحال: إلى منزل الطفولة، إلى لحظة غروب على شاطيء البحر، وجبتك المفضلة، أو مقهى تحبه، حتى يمكنها أن تحملك إلى مكان اعتقدت أنك نسيته.
السفر حول العالم هو أكبر مصدر إلهام لي. مقابلة أشخاص جدد، تجربة ثقافات مختلفة، تذوق أطباق غير معتادة، واستكشاف الطقوس المحلية يؤدي إلى توسيع وجهة نظري الإبداعية بإستمرار. هناك شيء يدفعك للتواضع بعمق عند التعرف على نكهات وروائح جديدة، إنه يدفعني لأن أتذكر كم هو ثري ومتنوع عالمنا في الحقيقة.
في بعض المناطق التي سافرت إليها، الرائحة أكثر من مجرد قطعة زينة. إنها لغة للهوية والضيافة، حيث العطر لا يمكن تفرقته عن الذاكرة والمكان. مثال ذلك، العود، العنبر والبخور، كلها تحمل قصصا عن التراث، الطقوس والتقاليد. كل وجهة أزورها تترك بصمة غير مرئية في ذاكرتي الشمية. من العمل في ملجأ أفيال في سريلانكا إلى استكشاف المناظر الطبيعية في أستراليا، الأسواق النابضة بالحياة في فيتنام، والسكون الاستوائي في ماديرا أو النوم في الصحراء في المغرب، كل رحلة شكلت توقيعي الابداعي. بشكل خاص، أستقى إلهامي من التناقضات والتقاليد.
صناعة العطور، مثل السفر، عملية تعلم مستمرة. لا يوجد يومان متماثلان. مواد خام جديدة، تفسيرات جديدة، تحديات تقنية جديدة، إنها مهنة تتطلب الدقة بينما تمنحك الفرصة لإبداع بلا حدود. إنها مهنة تنمو معك، مع تطور رؤيتك للعالم.

اليابان: الحضور والتناقض
بين كل رحلاتي، تركت رحلتي الأخيرة إلى اليابان أعمق انطباعات في نفسي. لقد كانت الوجهة التي أحلم بها لفترة طويلة، وتجربة الرحلة شخصيا كانت نقطة تحول. الطاقة النابضة بالحياة في شوارع طوكيو وأوساكا صاخبة، ديناميكية، سريعة وكهربائية تقريبًا، تليها لحظات من السكون التام. غابات الخيزران تتأرجح بلطف.
المعابد القديمة في كيوتو تشع بالكرامة الهادئة. بحيرات تعكس جبل فوجي المهيب في يوم نادر وصاف أو جزر أوكيناوا الصغيرة الهادئة حيث الصمت هو المفتاح. الأمر كله يتعلق بالتناقضات التامة، الحركة والهدوء، الكثافة والدقة، هذا ما يبهرني أكثر في صناعة العطور، حيث يمكن لعطر واحد أن يرصد العديد من المشاعر.
أصبحت المشاركة في طقس الشاي التقليدي واحدة من أهم تجاربي في رحلتي. الطقس تحكمه مباديء:
- وا (تناغم)
- كي (احترام)
- سي (نقاء)
- جاكو (هدوء)
يجسد الاحتفال اليقظة والنية المعقودة. في هذه الحالة تحديدا، كان طقس الشاي يقوم على فلسفة “ايشيجو” و”ايشي”، وهو فهم أن كل لقاء يحدث مرة واحدة فقط، ولن يتكرر مطلقا بالطريقة نفسها بالضبط.

هذه الفلسفة تجد صداها عميقا في حياتي وصناعة العطور. العمل بالمواد الخام الطبيعية يعزز فلسفة التفرد. ظروف الحصاد، المناخ، التربة والماء عوامل لها تأثيرها على كل محصول. لا يوجد مطلق أو زيت أساسي ريحته تتطابق تماما مع السنة الماضية. كل مجموعة تحمل تغييرات طفيفة، تماما مثل كل لقاء في الحياة.
بهذا المعنى، يعكس العطر فلسفة ايشيجو ايشي. حتى التركيبات المتشابهة، لا تدرك مطلقا بالطريقة نفسها. كل ابتكار يتطور بشكل مختلف على كل بشرة، يتفاعل مع كيمياء الجسم والذاكرة الشخصية.
بالنسبة لي، صناعة العطر رواية قصة بدون كلمات. إنها تعني رصد المناظر الطبيعية، المشاعر والتجارب لتقديمها في شكل غير مرئي. وبإيحاء خاص من اليابان، ابتكرت مجموعة من العطور تعكس التناقضات التي اختبرتها: الطاقة النابضة بالحياة في المدن والسكون الطبيعي الباعث على التأمل. روائح شاي الماتشا، غابات الخيرزان، الفاوانيا، النظافة، الباتشولي، والفروق البحرية الخفيفة أصبحت تعبيرات شمية عن هذه اللحظات.
العطر باعتباره ذكرى
عبر ابتكاراتي الفريدة والقصص الكامنة وراءها، أقدم لعملائي الفرصة لتجربة أجزاء صغيرة من الرحلات التي صاغت شخصيتي، أسلوبي في العمل ورؤية أجزاء من العالم من خلال عيناي.
العطر يتيح لي فرصة مشاركة مشاعري، المناظر الطبيعية واللحظات النادرة، أن أترجم الذكريات الشخصية إلى شيء يمكن الشعور به عالميا. مع كل تركيبة، أهدف إلى خلق مناخ متميز، يدعو للسفر عبر الزمن والمكان.
الرائحة لها القدرة على أن تنقلك إلى أماكن ربما لم تتخيلها مطلقا. بهذه الطريقة الخفية والقوية في الوقت نفسه، تصبح صناعة العطور جسرا بين العوالم، توحد تجربتي الشخصية مع خيال هؤلاء الذين يضعون العطر.
كل رحلة فريدة
كل لقاء لا يتكرر
وكل عطر، مثل الفن، يتواجد مرة واحدة فقط في تعبيره الدقيق.
هذا هو الجمال الحقيقي في صناعة العطور. أشعر بالإمتنان لأني أمارس حرفة هي، بكل معنى الكلمة، أجمل مهنة في العالم. كل رحلة تصبح مصدرا لا يجف من الإلهام، تشكل رؤيتي وابداعي.
Read this post in
الإنجليزية






Add Comment