زجاجات العطر، أيقونات الفخامة المتغافل عنها

Read this post in الإنجليزية

زجاجات العطر، أيقونات الفخامة المتغافل عنها

زجاجات العطر منحوتات صامتة ينصهر فيها الفن، الثقافة والفخامة في كل تصميم

لحظة أن تطأ قدمك متجر عطور، وقبل أن يجذبك مزيج العود، السوسن أو روائح البرجموت، إلى حالة من الراحة، هناك شيء آخر يسرق انتباهك بهدوء. يقف شامخا على الرف، يدعو للإعجاب، أو حتى الحكم عليه، هو زجاجة العطر. هادئة لكن مسيطرة، إنها  واحدة من أقوى أشكال الحرفية الفنية، ومع ذلك يتم تجاهلها.

نعم، من البديهي أن رائحة العطر يمكن أن تثير المشاعر وتحول حتى أكثر الأرواح رزانة إلى عاشق أبدي للعطر. ومع ذلك غالبا ما تكون الزجاجة نفسها مهملة في الظلال، على الرغم من انها ابتكار يجمع بين التصميم، الثقافة والمهارة الحرفية وجدير بمكانة خاصة به في أي معرض.

التراث الثقافي لزجاجات العطر

عندما نتحدث عن زجاجات العطر، لا يسعنا إلا أن نعود إلى أصول هذه الحرفة. عبر القرون والحضارات، تطورت زجاجات العطر من قطع أثرية مقدسة إلى أيقونات للموضة يتم الاحتفاء بها.

في مصر القديمة، كانت الأواني تصنع من المرمر والزجاج المصنوع يدويا بالنفخ وتزين غالبا بالهيروغليفية، لترصد الآلهة والإلهات والرموز المقدسة وتعتبر هدية تقدم تكريما للرابطة الإلهية بين العطر والروح.

من جانبهم فضل اليونانيون الأواني المرسومة يدويا والتي تأخذ شكل الحمام والغزلان، رموز النقاء والجمال. وقام الرومان، المنجذبون إلى الرقي، بحفر حاويات عطورهم من أحجار كريمة مثل الأميثيست (أو الجمشت) والأونيكس، ليبدعوا قطعا ذات جاذبية نادرة وفاخرة.

فإذا نظرنا إلى زجاجات العطر اليوم، لم تعد الحدود الجغرافية تقف في وجه تصميمات العطر. ترى الآن ثروة من التصميمات، كلها ولدت من قطع من ثقافات، تقاليد وأشكال فنية مختلفة اجتمعت معا، لتؤدي إلى ابتكار أعمال فنية أكثر من كونها مجرد زجاجات. أو كما وصفتها ماري ايلين لابسانسكي، نائب مدير مؤسسة العطور، بشكل مناسب، بأنها "قطع فنية".

المصممون الذين حولوا زجاجات العطر إلى شعر مرئي

بيير دينان

لا يمكنك أن تعرب حقيقة عن تقديرك لتصميم فن العطر دون تقدير الفنان وراءه، وبيير دينان هو العقل المفكر وراء بعض من أكثر زجاجت العطر الأيقونية ابداعا في الصناعة. يطلق عليه اسم "رجل الألف زجاجة" لسبب وجيه.

بدأ دينان رحلته كمهندس معماري يتمتع بيد دقيقة وعين ثاقبة في التصميم. وجاءت فرصته الكبرى عام 1958 عندما اختارته مؤسسة "روشا" لتصميم قنينة "مدام روشا" التي أصبحت الآن قطعة أيقونية. دفعته هذه اللحظة إلى قلب الرفاهية والموضة الباريسية لتقود إلى تعاون مع أساطير الموضة مثل بالانسياجا، بيير كاردان، كريستيان ديور وايف سان لوران.

مع خبرة تمتد لأكثر من خمسين عاما في صناعة واتقان زجاجات العطر، ابتكر دينان أكثر من 500 تصميم، كل واحد منها يسرد قصة أناقة وابتكار تام.

سيرج مانسو

إذا كان بيير دينان جلب الهندسة إلى الزجاجة، فإن سيرج مانسو جلب النحت والروح. على عكس دينان، بدأ مانسو حياته الإبداعية كفنان، نحات ومصمم مشاهد مسرحية فرنسي. انتقاله إلى تصميم العطر أدخل عدسات شاعرية وفنية نادرة إلى الصناعة. لم تكن زجاجته عملية فقط، لكنها كانت تعبيرية أيضا. اشتهر بأنه يرفض الإلتزام بأسلوب واحد، مما أكسبه اسم الشهرة "فيرساستايل" وهو ما يعني تعدد أساليب التعبير الفني.

كانت الطبيعة نقطة تركيز مركزية في العديد من ابتكاراته. غالبا ما استوحى الإلهام من أوراق الشجر، الحشرات، الأصداف البحرية والحصى، وكان يمتلك انبهارا هادئا بعدم التماثل والعمق العاطفي، وهي صفات جعلت زجاجاته تبدو أقل شبها بالتغليف وأقرب إلى منحوتات جديرة بالإعجاب.

من أوائل ابتكاراته الأكثر نجاحا عطر "سكين ديو" من هيلينا روبنشتاين، "كليماه" من لانكوم، "فيدجي" من جي لاروش و"فلاور" من كينزو التي اشتهرت على الفور.

زجاجات عطر مبهرة لا تزال مثار حديث اليوم

  1. شانيل رقم 5 (1921)

في هذه الفترة عندما كانت زجاجات العطر عادة فاخرة ومزخرفة، اتخذت كوكو شانيل طريقة غير تقليدية بتصميم زجاجة عطرها. قدمت زجاجة بسيطة، مربعة الشكل، مستوحاة من عبوات الويسكي والخطوط الواضحة لميدان "فاندوم" في باريس. العلامة الصغيرة، العلبة والغطاء الثماني الأضلاع يعكس ايمانها بأن الأناقة  تكمن في البساطة. وعلى الفور، حتى بعد مرور قرن من الزمان، بقي إرث هذا العطر والزجاجة يحتلان مكانة لا تتزعزع.

  1. شاليمار من جيرلان (1925)

غالبا ما تصنع العطور من الحب، لكن شاليمار صنع من أجل الحب. استوحى العطر من قصة سلطان المغول شاه جيهان وزوجته ممتاز محل، قصة الحب التي عاشت عبر العصور من خلال تشييد "تاج محل" تكريما لزوجته الراحلة.

العطر صنعه جاك جيرلان، في حين صمم ريمون جيرلان الزجاجة بالتعاون مع مع باكاراه. كانت الزجاجة الأولى من نوعها التي تضم تفاصيل أرابيسك وغطاء ملون، مما جعلها تتميز في هذا الوقت عام 1925.

  1. لير دي تون من نينا ريتشي (1948) 

زجاجة هذا العطر (L’Air du Temps) تمثل تحية للسلام، الحب والحرية. تصميمها الأصلي يتميز بحمامة رسمتها الفنانة جوان روبول، ومع ذلك في عام 1951، أعاد مارك لاليك تصور الزجاجة بإضافة حمامتين من الكريستال فوق قاعدة زجاجية دوارة. أصبح التصميم أيقونيا إلى حد أنه أختير "زجاجة عطر القرن" عام 2000.

  1. أوبيوم من ايف سان لوران (1977)

كان أوبيوم، أحد أهم ابتكارات سان لوران، ذروة الإغراء والغموض، وطرح عام 1977. رائحته القوية مع الباتشولي، المر والفانيليا، تقدم في زجاجة مستوحاة من الإيرنو، وهو صندوق صغير ثمين يرتديه محاربو الساموراي اليابانيون.

الزجاجة لها لون قوي، أحمر مطلي مع عين زجاجية مستديرة في المنتصف، مما يجعلها طريقة لرؤية اللون العنبري بالداخل. عطر أوبيوم كان تمردا جريئا نجح في تحويل شيء كان تقليديا إلى زجاجة تنضج بالحسية في أعين من يراها.

  1. اينجل من تييري موجلير (1992)

تحمل الزجاجة شكل نجمة وكان يبدو مستحيلا تصنيعها حتى قامت مصانع زجاج "فيريريه بروس" بتصميم قالب دوار يسمح بملء الأطراف الخمسة للنجمة بالعطر بشكل متساو. لونها الأزرق الجذاب برز في بحر من الوان الباستيل، متحديا تقاليد الأنوثة في ذلك الوقت. موجلير قدم أيضا "ينبوع موجلير" وهو نظام لإعادة ملء زجاجات عطر اينجل يعتنق الوعي البيئي قبل أن يصبح صرعة سائدة.

  1. جادور من ديور (1999)

إذا كان هناك تجسيد مادي لمعنى الأنوثة لكانت زجاجة العطر هذه التي صممها هيرفيه فان دير سترايتن. تعتبر هذه الزجاجة تحية لعارضات أزياء "النيو لوك" لدى ديور عام 1947. تغلق الزجاجة بحلقة ذهبية سميكة، تشبه كثيرا العقود التي ترتديها قبيلة الماساي، ويعلوها غطاء كابوشون شفاف. منحنياتها الأنيقة تعبر عن الفخامة، الرغبة والتمكين.

7 فلاوربومب من فيكتور أند رولف (2005)

عطر يتفجر بالتناقض، روائح زهور رقيقة موضوعة في زجاجة عل شكل قنبلة يدوية. بهذا الإبتكار، منح فيكتور أند رولف هوية جديدة تماما لعطور الزهور، رابطا الأنوثة بالقوة وأكثر من ذلك، سرد قصة شمية من خلال مفهومه الفريد لتصميم الزجاجة.

نحن نفكر غالبا في العطر كرائحة، إحساس عابر على البشرة. لكن الزجاجة الموضوع فيها العطر تمنح شيئا أكثر: هوية. إنها وعاء يحمل القصص، الحب، التمرد، السلام، الهوية والزمن نفسه. من قطع منحوتة إلى تصاميم جريئة قوية، حملت هذه الزجاجات ثقل العطر والمشاعر، متداخلة معا.

لذلك، في المرة القادمة التي تغلقون فيها أعينكم، تائهين في روائح الحمضيات، العود أو الياسمين وهي تغلف الغرفة بالرهبة والذكرى، لا تنسوا أن تفتحوها مرة أخرى، لتلقوا نظرة على المنحوتة الصامتة التي تحمل كل هذه المشاعر.

ميهاك أفضل

Read this post in الإنجليزية

Current Issue

Sign Up

Join Our Newsletter